🛑
*(الخماسية لم لرعاية العملية السياسية)*
أوكلت الرباعية الدولية (أميركا, السعودية, الإمارات, مصر) في إطار سعيها لإنفاذ خارطة الطريق التي طرحتها لوقف الحرب في بيانها الصادر في 12 سبتمبر 2025, للآلية الخماسية (الأمم المتحدة, الإتحاد الإفريقي, الإتحاد الأوروبي, الإيقاد, الجامعة العربية) مهمة تسهيل العملية السياسية التي قالت الرباعية في بيانها أنها يجب أن تكتمل في مدة تسعة أشهر.

أهم ما جاء في البيان المذكور حول العملية السياسية هو تعهد دول الرباعية بدعم (عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون بعيداً عن سيطرة أي طرف متحارب) بحيث تؤدي هذه العملية إلى (تلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مدنية مستقلة ذات شرعية ومساءلة واسعة، وهو أمر حيوي لاستقرار السودان على المدى الطويل والحفاظ على مؤسسات الدولة).
بعد سلسلة من الإجتماعات تم التوافق بين الخماسية التحالفات الرئيسية (صمود, الكتلة الديمقراطية, تأسيس) والأحزاب الأخرى خارج التحالفات, على تكوين لجنة تحضيرية لبحث القضايا الست الرئيسية المتعلقة بالعملية السياسية: تصميم العملية, الأجندة, القضايا, الأطراف, مكان وزمان الإنعقاد, الدور الإقليمي والدولي. بحيث تكون العملية مملوكة للسودانيين بالكامل.

غير أن الخماسية تنصلت عن هذا التوافق وانحرفت عن مسارها بدعوتها لإجتماعات تشاورية شملت تحالفات ليس لها وجود في الساحة السياسة فضلاً عن أشخاص وجماعات لم توضع أي معايير لإختيارهم, وجميعهم يمثلون أحد الأطراف المتحاربة (الجيش) وهو الأمر الذي يُخل بالمبدأ الأساسي الذي نص عليه بيان الرباعية بضرورة عدم سيطرة أحد الأطراف المتحاربة على العملية السياسية.

إن مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية يعني أنه ليس من حق الخماسية تحديد الأطراف التي تشارك في العملية السياسية, وأن إصرارها على إغراق العملية بتحالفات وأشخاص تتبع لأحد الأطراف المتحاربة يمثل خرقاً واضحاً لهذا البند مما يفقدها الحيادية المطلوبة ويضعها في خانة الجهة الساعية لتجيير العملية لصالح الجيش وحلفاؤه.

من ناحيةٍ أخرى, تتوافق توجهات الخماسية الحالية مع خطة قيادة الجيش الهادفة لكسب الوقت وصناعة عملية سياسية مزيفة وقاصرة بهدف جذب الدعم والدولي لصالح موقفها ورؤيتها للحرب وكيفية إيقافها.

تنبني عناصر خطة قيادة الجيش على التالي :

أولاً, الترتيب لهجوم عسكري كبير بهدف إستلام مناطق واسعة في كردفان ودارفور وإجبار الدعم السريع على التراجع الميداني بحيث تضعف سيطرته الحالية على المساحة الشاسعة من الأرض ويكتفي بتواجده في جيوب صغيرة وبالتالي يُعاد تعريف الحرب بأنها قتال بين “الدولة المركزية” وتمرد محدود في مناطق نائية كما كان الحال مع التمرد في حرب الجنوب وحرب دارفور.

ثانياً, نجاح الهجوم العسكري وتقليص السيطرة الميدانية للدعم السريع سيترتب عليه تلقائياً منح الشرعية لسلطة الجيش مما يسمح بإستعادة نشاط السودان في الإتحاد الإفريقي وكذلك الإعتراف بحكومة الجيش من قبل المجتمع الإقليمي والدولي.

ثالثاً, يُصاحب عملية منح الشرعية لسلطة الجيش الشروع في إطلاق عملية سياسية داخل السودان وبالتنسيق مع الخماسية الدولية, وكذلك تعيين مجلس تشريعي من قوى موالية للجيش وقيادته يُمنح صلاحيات واسعة لتغيير هياكل الحكم الحالية وإقامة أخرى تسمح بإنفراد قائد الجيش بالسلطة لفترة طويلة قادمة.

إنَّ إصرار الخماسية على نهج التدخل السافر والتعدي على مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية سيؤدي في خاتمة المطاف لتماهيها مع خطة الجيش أعلاه, وهو ما يعني عملياً فقدانها لمبدأ الحياد ومخالفتها لبنود بيان الرباعية الذي تم بموجبه إسناد دور الوساطة لها.

لمواجهة هذا الإنحراف في دور الخماسية والتصدي لمساعي قيادة الجيش لقيام عملية سياسية مزيفة لا تنتج عنها حلولاً جذرية تؤدي لوقف الحرب وتحقق إستقرار البلاد وتضمن التحول المدني الديمقراطي , يتوجب توحيد وإصطفاف القوى المدنية في جبهة عريضة من أجل تكثيف العمل الجماهيري والسياسي والدبلوماسي الهادف لإنهاء الحرب وتحقيق السلام المستدام عبر عملية سياسية حقيقية.

🛑 تعقيب علي ترايو
مقال الأستاذ بابكر فيصل بشأن دور الآلية الخماسية ملئ باخطاء غير مقبولة و زريعة للزوغان من المسؤولية !!!
للأسف، فإن الموقف الذي تبناه الأستاذ بابكر فيصل (رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي)، هو موقف أقل ما يوصف به أنه غير موفق من مسؤول سياسي في هذا المستوى. فقد انطلق من افتراضات غير صحيحة، وانتهى إلى نتائج غير صحيحة؛ وما بُني على خطأ فهو خطأ.

وفيما يلي التوضيح:

أولاً:
الخلط بين الرباعية والخماسية
ليس صحيحًا أن الرباعية الدولية (Quad) أوكلت إلى الخماسية (Quintet) مهمة إدارة أو الإشراف على المسار السياسي السوداني، كما ورد في المقال. فالرباعية ليست جهة ذات تفويض (Mandate) يخولها إنشاء أو تكليف آليات دولية بهذا الشكل. و لذلك انها توجه او توكل مهام ااخماسبة غير صحبح.

ثانيًا:
مصدر شرعية الخماسية
الآلية الخماسية المعنية بالمسار السياسي لم تنشأ بقرار من الرباعية، وإنما جاءت امتدادًا للآلية الرفيعة التي أنشأها الاتحاد الأفريقي لمعالجة الأزمة السودانية برئاسة الدكتور محمد بن شمباس. وبموجب التفويض الممنوح لها، وتحديدًا في إطار فكرة الآلية الموسعة (Extended Mechanism)، توسعت لتضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، لتصبح ما يُعرف بالآلية الخماسية.
عليه، فإن مصدر شرعية الخماسية هو تفويض الاتحاد الأفريقي، وليس الرباعية الدولية.

ثالثًا:
طبيعة الرباعية
أما الرباعية المعنية بالملف الأمني، فلم تنشأ بموجب تفويض دولي، وإنما كانت مبادرة سياسية انطلقت من منبر جدة بقيادة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ثم ضمت إليها لاحقًا مصر والإمارات.
وهذه حقائق مؤسسية ثابتة لا يجوز تجاوزها او تحريفها، لأن أي تحليل يُبنى عليها سيكون عرضة للخطأ.

رابعًا:
هل انحرفت الخماسية عن مبدأ الشمول؟
بنى الأستاذ بابكر فيصل احتجاجه – وهو الاحتجاج الذي استندت إليه أيضًا مجموعة “صمود” في مقاطعة المشاورات الأخيرة – على أن الخماسية انحرفت عن التوافق السابق عندما وسعت دائرة المشاورات لتشمل تحالفات وأشخاصًا لا يمثلون (في رأيه)، قوى سياسية حقيقية، وأن ذلك يصب في مصلحة الجيش.
غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن الخماسية، انطلاقًا من مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية، شرعت في التواصل مع كل من تراه فاعلًا سياسيًا أو مجتمعيًا يمكن أن يؤثر في ديناميكيات الصراع. وقد شملت مشاوراتها تحالفات مثل الكتلة الديمقراطية وصمود، وأحزابًا خارج التحالفات، ومجموعات مدنية، بل وحتى شخصيات مستقلة.
و لكن اهم من ذلك و هو ما يحاول الاستاذ فيصل تجاهله أن هذه المشاورات لم تقتصر على أطراف يُنظر إليها باعتبارها قريبة من الجيش (او ممثلا له)، وإنما شملت أيضًا أطرافًا وشخصيات يُنظر إليها على أنها قريبة من (او يمثل) قوات الدعم السريع !!!
فإذا كان الهدف هو شمول العملية السياسية، فكيف تصبح الشمولية دليلًا على الانحياز؟

خامسًا:
هل تتعارض الشمولية مع بيان الرباعية؟
يستشهد الأستاذ بابكر فيصل ببيان الرباعية الذي دعا إلى عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون بعيدًا عن سيطرة أي طرف متحارب و كأن موقفه هذا يوحي بانه يريد ان يشتكي ضد “الخماسية” امام “الرباعية” !!!
والسؤال المنطقي هنا:
أليست المشاورات الواسعة التي تجريها الخماسية مع مختلف القوى المدنية والسياسية هي محاولة لتحقيق هذه الشمولية التي دعت اليها “الرباعية” ؟؟؟
إن توسيع دائرة الاستماع لا يعني منح الشرعية لطرف دون آخر، ولا يعني أن العملية أصبحت خاضعة لسيطرة الجيش أو الدعم السريع.

سادسًا:
في اتهام الخماسية بالتواطؤ.
أما قول الأستاذ بابكر فيصل إن توجهات الخماسية الحالية تتوافق مع خطة قيادة الجيش لكسب الوقت وصناعة عملية سياسية مزيفة، فهو اتهام (ان كان يمتلك أدلة على ذلك)، فمن الأولى أن يوجه هذا الاتهام صراحة إلى الخماسية نفسها، بدلًا من الاكتفاء باستنتاجات تُقدَّم وكأنها حقائق.

أخيرًا
يبدو أن مفهوم “الشمولية” عند بعض القوى السياسية أصبح انتقائيًا؛ فهو مقبول عندما يقتصر على الحلفاء، ومرفوض عندما يمتد إلى المختلفين معهم.
وهذا ما يثير التساؤل:
هل أصبحت الشمولية تُفهم بمنطق “خيار وفقوس”؟
كما أن تكرار استخدام تعبير “إغراق العملية السياسية” أصبح وسيلة خطابية لتبرير الإقصاء، لا للدفاع عن جودة المشاركة. فهذه العبارة استُخدمت مرارًا من قبل بعض القوى السياسية لفرملة أي محاولة لتوسيع قاعدة التوافق الوطني الي درجة ان ينطبق على هذا النهج المثل الإنجليزي الشهير:
“Give the dog a bad name and kill it.”
أي: ألصق بالخصم وصفًا سيئًا، ثم اتخذه ذريعة لإقصائه أو القضاء عليه. وهذا ليس منهجًا يساعد على بناء عملية سياسية شاملة، بل يعيد إنتاج الأزمة السودانية نفسها التي قامت، في جوهرها، على الإقصاء واحتكار تعريف من يحق له المشاركة ومن لا يحق له ذلك.
……. علي ترايو