*أزمة التعليم في السودان: جيل يواجه الضياع وصمت رسمي يهدد المستقبل :
تسببت الحرب الكارثية التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في تدمير شامل لبنية المجتمع، وكانت المؤسسات التعليمية الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام .
لقد أفرزت هذه الحرب أسوأ التداعيات الإنسانية، ممثلة في الانهيار الكامل للمنظومة التعليمية بجميع مراحلها، من مرحلة الأساس والابتدائي وحتى التعليم الثانوي والجامعي .
هذا الواقع المرير حطّم معنويات الطلاب، وأصاب تطلعاتهم في مقتل، وسط غياب تام وشلل كامل للأجهزة الحكومية المعنية بملف التعليم .
إن تتبع مسارات الطلاب السودانيين اليوم يكشف عن حجم المأساة؛ فقد تحول الملايين منهم إلى نازحين داخل وطنهم أو لاجئين في دول الجوار .
ومع تطاول أمد الحرب، تجمّدت الحياة الأكاديمية تماماً، مما خلق فجوة زمنية وعمرية مرعبة .
فالطفل الذي كان من المفترض أن ينهي مرحلة الأساس وينتقل إلى الثانوية بات يكبر بلا مدرسة، والطالب الذي كان يستعد لدخول الجامعة يجد نفسه معطلاً، بينما تلاشت أحلام طلاب الجامعات في التخرج واللحاق بسوق العمل . الطلاب اليوم يكبرون في العمر والسنوات تمضي، لكنهم يبقون بلا تعليم، محاصرين بأوضاع اقتصادية قاسية تحرم أسرهم حتى من القدرة على الاستقرار في دول الملاذ الآمن مثل مصر لتأمين مقاعد دراسية لأبنائهم .
وتتجلى ذروة هذه المأساة والتمييز غير المباشر في إقليم دارفور، حيث يواجه الطلاب التحدي الأصعب على الإطلاق. فبينما شهدت بعض الولايات الآمنة نسبياً محاولات لاستئناف الدراسة أو تنظيم امتحانات الشهادة، يعيش الإقليم الغربي عزلة تعليمية مطبقة؛ فلا جامعات تعمل، ولا مدارس تفتح أبوابها، ولا امتحانات تُعقد .
هذا الغياب الحكومي لا يقتصر على الداخل فحسب، بل يمتد ليشمل آلاف الطلاب اللاجئين في تشاد الذين يعانون التجهيل والنظرة المنسية، رغم الوجود الرسمي للسفارة السودانية هناك. إن هذه التفرقة وغياب العدالة التعليمية تضع مسؤولية تاريخية وأخلاقية مباشرة على عاتق الدولة السودانية وحاكم إقليم دارفور للتحرك الفوري وإنهاء هذا التهميش .
أمام هذا الواقع المظلم، لم يعد الصمت مقبولاً، ولابد للحكومة السودانية من الخروج من حالة العجز والبدء الفوري في مخاطبة المنظمات الدولية والإقليمية المهتمة بحق التعليم في مناطق النزاع لتوفير حلول بديلة .
ورغم انعدام البيئة الصالحة والآمنة، يجب ألا يتوقف التعليم، وهي مهمة تتطلب تضافر جهود المجتمع المدني بأسره .
إننا بحاجة إلى ثورة وطنية للتطوع؛ يشترك فيها الأستاذ والمعلم والدكتور الجامعي بجهودهم الذاتية لإنشاء صفوف دراسية مؤقتة ومراكز تعليمية مجتمعية داخل معسكرات النزوح واللجوء التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء العقول، وبناء مجتمع واعٍ ومتعلم هو السلاح الوحيد المحارب للجهوية، والعنصرية، والقبلية التي غذت الحرب؛ فبالعلم وحده نصلح ما دمرته البندقية ونعيد صياغة مستقبل السودان
بقلم : مزمل دارمساء ✍️
- بتاريخ : 12/6/2026




