قراءة في الجدل حول اتفاق جوبا وحملات التشويه السياسية
بقلم: محمد سومي كافي (أبو نسيبة)
ميزان القيم – عمود رأي
في السياسة لا تُقرأ الأحداث بمعزل عن سياقاتها، ولا تُفهم حملات التشويه بعيدًا عن توقيتها. لذلك، فإن تصاعد الهجوم على القوات المشتركة، بعد سلسلة من الإنجازات العسكرية، يثير تساؤلات تستحق الوقوف عندها: لماذا الآن؟ ومن المستفيد من تحويل بوصلة النقاش من معركة استعادة الدولة إلى معركة تستهدف أحد مكوناتها العسكرية؟
لقد شاركت القوات المشتركة، إلى جانب القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في عمليات عسكرية أسفرت عن استعادة السيطرة على مناطق ومدن عدة، من بينها الخرطوم، وأم درمان، والصالحة، وأجزاء من ولاية النيل الأبيض، وجبل موية، والدويم، وتندلتي، وأم روابة، والرهد، كما أسهمت في فك الحصار عن مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، والدلنج وكادقلي بولاية جنوب كردفان، وصولًا إلى الكرمك بولاية النيل الأزرق. وهي وقائع ميدانية تجعل من المشروع طرح سؤال آخر: لماذا تزامنت هذه الإنجازات مع تصاعد حملات التشويه والاستهداف الإعلامي؟
قد يرى البعض أن الأمر لا يتجاوز حدود النقد السياسي، غير أن آخرين يعتقدون أن جذور هذه الحملات أعمق من الميدان، وأنها ترتبط بالتحولات التي أحدثها اتفاق جوبا للسلام؛ ذلك الاتفاق الذي نقل قوى الهامش من أطراف المشهد السياسي إلى قلب مؤسسات الدولة، ومنح الحركات المسلحة تمثيلًا في مجلس السيادة، ونصيبًا في السلطة التنفيذية، وحضورًا في المجلس التشريعي، وفقًا لما نصت عليه بنوده.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو الاتفاق أن ما حدث لم يكن مجرد توزيع للمناصب، بل إعادة صياغة لمعادلة المشاركة في السلطة، وكسرًا لاحتكار تاريخي ظل يهيمن على مركز القرار السياسي والاقتصادي لعقود. ولذلك، يفسرون جانبًا من المعارضة المستمرة لاتفاق جوبا بأنها تعبير عن رفض هذا التحول، أكثر من كونها اعتراضًا على تفاصيل الاتفاق نفسه.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن إسناد حقائب سيادية واقتصادية مؤثرة، مثل وزارة المالية ووزارة المعادن، إلى الحركات المسلحة، أوجد واقعًا سياسيًا جديدًا لم يحظَ بقبول جميع القوى، وأن الخلاف حول الاتفاق ظل حاضرًا في كثير من السجالات السياسية، وسط اتهامات متبادلة بتعطيل تنفيذ بعض بنوده، وتحميل أطراف بعينها مسؤولية الأزمات الاقتصادية.
وفي المقابل، يرى آخرون أن انتقاد القوات المشتركة يرتبط بأدائها العسكري أو السياسي، وأن من حق الرأي العام مناقشة ذلك. وهذه وجهة نظر مشروعة في أي مجتمع يسعى إلى ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة، شريطة أن يستند النقد إلى الوقائع، لا إلى حملات التشويه أو الأحكام المسبقة.
إن أخطر ما يواجه الدول في أوقات النزاعات ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الخلاف السياسي إلى معركة تستهدف المؤسسات والرموز، لأن ذلك يبدد الجهد الوطني، ويصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية التي تواجه البلاد.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل الحملة على القوات المشتركة نابعة من تقييم موضوعي لأدائها، أم أنها انعكاس لصراع سياسي أوسع حول مخرجات اتفاق جوبا وما أحدثه من تحولات في بنية السلطة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على الانفعال أو الاصطفاف، وإنما على قراءة متأنية للوقائع؛ فالأوطان لا تُبنى بالتخوين، ولا تُدار بحملات التشويه، بل بالحوار الصادق، والاحتكام إلى الحقيقة، والالتزام بما يحقق العدالة والشراكة والسلام.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب سياسي وإعلامي يعلي قيمة الإنصاف، ويزن المواقف بميزان الحقائق، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو استدعاء الخصومات القديمة. فالنقد حق، بل هو ضرورة في أي دولة تسعى إلى ترسيخ دولة القانون، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى أداة للاستهداف السياسي، أو وسيلة لتقويض كل طرف يحقق حضورًا أو تأثيرًا في المشهد الوطني.
ذلك هو الطريق الذي يحفظ للدولة تماسكها، ويصون للمواطن حقه في معرفة الحقيقة بعيدًا عن الضجيج، ويضمن أن يبقى الاختلاف السياسي في إطاره المشروع، دون أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء الذي دفع السودان ثمنه باهظًا عبر تاريخه.
ولعل المرحلة الراهنة تتطلب من جميع القوى الوطنية أن تجعل المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، وأن تدرك أن بناء السلام لا يكتمل إلا بتنفيذ الاتفاقات، واحترام الشراكات، وتغليب الحوار على الاستقطاب، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد جميع أبنائها، ولا تستقر إلا بالعدل والإنصاف والشراكة الحقيقية.




