#حين ترتدي المليشيا عباءة الدولة والسياسة:
#قراءة نقدية حول تفكيك مشروع ما تسمى بحكومة التأسيس
في خضم الحرب التي تعصف بالسودان، لم يعد الصراع مقتصراً على ساحات القتال فحسب، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث تسعى بعض الأطراف الداعمة للمليشيات الدعم السريع إلى إعادة صياغة مواقعها وشرعنة أدوارها داخل المشهد السياسي لتحقيق مكاسب مستقبلية. ومن أبرز هذه المحاولات ما يُعرف بـ”حكومة التأسيس”، التي تُطرح باعتبارها واجهة سياسية لقوات الدعم السريع وحلفائها، في محاولة لإضفاء طابع مدني وسياسي على مشروع يرتبط بقوة عسكرية ما زالت تدور حولها اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة في حق المدنيين خلال الحرب .
وتأتي هذه المحاولة في وقت التي تشهد فيه الساحة السياسية السودانية حراكاً سياسياً ودولياً يهدف إلى إيجاد مخرج للأزمة،
من خلال المبادرات التي تتبناها القوى السياسية السودانية، بدعم من الآلية الدولية المعنية بالسودان، والتي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد) وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
نرحب بكل الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار، و نؤكد على ضرورة احترام سيادة الدولة السودان ووحدته الوطنية أساساً لأي عملية سياسية، حتى لا تنحرف عن أهدافها الحقيقية.
كما نعبر عن دعمنا للقوى الوطنية السياسية التي تمثل قطاعات واسعة من الشعب السوداني بمختلف مكوناته السياسية والمدنية، والتي ظلت تدافع عن وحدة البلاد ومؤسساتها الوطنية، وتسهم في تعزيز التماسك الوطني في مواجهة التحديات الراهنة ودعمنا الكامل للحوار السوداني السوداني
إن حكومة التأسيس وحلفاءها يحاولون نقل الصراع من الميدان العسكري إلى المجال السياسي، ليس بهدف إنهاء الحرب بالضرورة، وإنما سعياً إلى إعادة إنتاج النفوذ العسكري في صورة سياسية جديدة. لذلك لابد من التفاف حول مشروع وطني جامع يرفض منح هذه المليشيات اي شرعية سياسية،والمعروفة للجميع ان هذا المليشيا كقوة عسكرية متورطة في أعمال القتل والانتهاكات والاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم في كل مناطق السودان
ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً: كيف يمكن لقوة عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المواطنين أن تقدم نفسها مشروعاً سياسياً وطنياً أو شريكاً في إعادة بناء الدولة؟ وكيف يمكن بناء سلام مستدام على أسس لا تقوم على العدالة والمساءلة؟
في تقديري الشخصي ، فإن منح أي دور سياسي لهذه المليشيات يمثل خطراً على مشروع الانتقال الديمقراطي في السودان، ومن المعروف أن الدولة الحديثة تقوم على المؤسسات والدستور والإرادة الشعبية، لا على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. كما أن إشراك المليشيات في العملية السياسية دون تحقيق العدالة يعتبر استفزازا للضحايا وقد تركت هذه المليشيات في هذه الحرب جراحاً عميقة في المجتمع السوداني، وأدت إلى نزوح الملايين وفقدان الآلاف لأرواحهم وممتلكاتهم، كما عمّقت الانقسامات الاجتماعية والجهوية. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي مشروع سياسي مرتبط بالمليشيات سيجد صعوبة كبيرة في تحقيق القبول الشعبي، خاصة لدى المجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة جراء الحرب.
كما نؤكد دعمنا للجهود والقرارات الدولية الرامية إلى وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، بما في ذلك الضغوط السياسية والقانونية والدبلوماسية على الجهات التي تقدم أشكالاً مختلفة من الدعم لهذه المليشيا المجرمة
إن ارتداء المليشيات ثوب السياسة لا يؤدي إلى إنهاء الأزمة، بل قد يسهم في إطالة أمدها وإعادة إنتاج أسبابها. فالدولة لا تُبنى بالمليشيات، وإنما تُبنى بالمؤسسات الشرعية والتوافق الوطني والإرادة الحرة للمواطنين.
ويبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة أبنائه على بناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق السلام العادل، وصيانة وحدة البلاد، ورفض كل المحاولات التي تسعى إلى إعادة تشكيل النفوذ العسكري في صورة سياسية جديدة على حساب تطلعات الشعب السوداني وحقوقه المشروعة
وفي المقابل، تمثل إجازة قانون حاكم إقليم دارفور استحقاقاً سياسياً ودستورياً مهماً لشعب الإقليم، وقد جاء ثمرة لنضال طويل وتضحيات كبيرة من أجل الاعتراف بحقوق شعبنا في إدارة شؤونهم ضمن إطار الدولة السودانية. كما تمثل هذه الخطوة تقدماً نحو ترسيخ مبادئ الحكم اللامركزي والفيدرالي, الذي أثبت نجاحه في العديد من دول العالم في
تعزيز المشاركة السياسية وتحقيق التنمية والاستقرار.
إن أزمة السودان ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية
وإخفاقات سياسية متكررة ساهمت فيها النخب المدنية والعسكرية التي حاكم السودان منذ الاستقلال
، ولذلك فإن الحل لا يكمن في إنشاء واجهات سياسية للأطراف
العسكرية، بل في بناء مشروع وطني جامع يستند إلى الديمقراطية
والعدالة والمشاركة الشعبية واحترام التنوع السوداني.
تحياتي
ابراهيم احمد ديدي
السبت الموافق
2026/6/13
مانشستر 🇬🇧




