*بقلم:- أ. مهند يعقوب ابراهيم*
كلما جلست أحتسي قهوة الصباح ونهاية الدوام مع زملاء العمل والأصدقاء كان السؤال ذاته يتكرر بإلحاح (لماذا لا تغادر أمبدة إلى الخرطوم؟)
أبتسم في هدوء لأنهم يظنون أن الأمر يتعلق بعنوان سكن بينما هو في الحقيقة يتعلق بعنوان وطن فالأوطان لا تُغادر والجذور لا تُقتلع والذاكرة لا تُستبدل.
أمبدة ليست هامشاً للعاصمة كما يحاول البعض أن يصورها بل هي قلبٌ نابض ظل يخفق باسم السودان لعقود طويلة وهي ليست مجرد محلية وإنما مشروع وطني مكتمل صاغته الهجرات وبنته المعاناة ووحّدته قيم التعايش والتسامح هنا يلتقي ابن دارفور بأخيه القادم من كردفان ويجاور ابن الشمال ابن الشرق وابن الوسط دون أن تسألهم الأرض عن قبائلهم لأن أمبدة لا تعترف إلا بالمواطنة والانتماء والعيش المشترك.
في أمبدة لا تُقاس قيمة الإنسان بأصله أو لونه أو جهته بل بأخلاقه ومواقفه ولذلك كانت هذه المدينة درساً عملياً في الوطنية يوم عجزت كثير من النخب عن تقديم معنى حقيقي للوطن.
ليس من قبيل المصادفة أن تحتضن أمبدة سوق ليبيا أحد أكبر الأسواق في إفريقيا ذلك السوق الذي لم يكن مجرد مركز للتجارة بل أصبح شرياناً اقتصادياً يغذي آلاف الأسر ويربط السودان بعمقه الإفريقي ويؤكد أن أمبدة ليست مستهلكة للحياة بل صانعة لها.
لقد حاول كثيرون اختزال أمبدة في صور نمطية ظالمة لكنهم فشلوا لأن المدن لا تُعرَّف بالشائعات وإنما بتاريخها وبناسها وبما قدمته للوطن.
أمبدة قدمت رجالاً ونساءً حملوا السودان في قلوبهم وفتحوا بيوتهم للغريب قبل القريب وجعلوا من التعايش ثقافةً يومية لا شعاراً سياسياً.
إن الحديث عن أمبدة ليس دفاعاً عن حي أو محلية وإنما دفاع عن فكرة السودان نفسه السودان الذي يسع الجميع ويتجاوز القبلية والجهوية ويؤمن بأن قوة الوطن في تنوعه لا في إقصاء بعضه لبعض.
لهذا أقول بكل يقين من لم يعرف أمبدة لم يعرف السودان على حقيقته لأنها ليست مجرد بقعة على الخريطة وإنما ذاكرة وطن وضمير مدينة وحكاية شعب آمن بأن الاختلاف مصدر قوة لا سبب فرقة.
ستظل أمبدة تجري في عروقي ما حييت وستظل عنواناً للعزة ومدرسةً للوطنية ومنارةً للتعايش مهما حاول البعض التقليل من شأنها فالمدن العظيمة لا تصنعها الأبراج الشاهقة ولا الشوارع العريضة وإنما يصنعها الإنسان وتصنعها القيم ويصنعها التاريخ.
*ختاماً:ـ*
*أمبدة ليست مكاناً أسكنه بل وطناً يسكنني.*
*الجمعة الموافق 10 يوليو 2026م*




