تفكيك الهدنة الأمريكية ومآلات معركة التحرر الوطني في السودان
✒️ عصام إبراهيم – كاتب ومحلل سياسي
ليست كل هدنة تُطرح من أجل السلام، وليست كل مبادرة دبلوماسية تحمل بالضرورة مشروعًا لإنهاء الحروب. ففي التجربة السودانية الراهنة، تبدو الهدنة الأمريكية جزءًا من معركة موازية تدور خارج ساحات القتال، هدفها إعادة هندسة المشهد السياسي كلما اقتربت القوات المسلحة السودانية من حسمه عسكريًا.
ولعل المتابع لتطورات الحرب يلحظ نمطًا يكاد يتكرر بصورة لافتة؛ فكلما تقدمت القوات المسلحة في الميدان، وضيقت الخناق على الميليشيا، تحركت الدبلوماسية الدولية مطالبةً بوقف إطلاق النار، وكأن السياسة الدولية أصبحت خط الدفاع الأخير عن مشروع فقد قدرته على الصمود عسكريًا.
ومن هنا تبرز ثنائية رمزية تختزل طبيعة الصراع؛ «بنسلين» النظام الدولي في مواجهة «المبيد» الوطني.
«أمكعواك»… عندما يحاكم الشعب الميليشيا بلغته
لم تعد التسمية الرسمية لقوات الدعم السريع حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من السودانيين، بل أحلّ الشارع محلّها مصطلح «أمكعواك»، وهو توصيف شعبي يحمل دلالات سياسية وأخلاقية عميقة.
فالحروب لا تغيّر الخرائط وحدها، بل تعيد تشكيل اللغة أيضًا. وعندما يبتكر الشعب توصيفًا جديدًا لخصمه، فإنه لا يبدل الاسم فحسب، بل يصدر حكمًا اجتماعيًا عليه.
وبالنسبة لكثير من السودانيين، ارتبط هذا المصطلح بما شهدته البلاد من انتهاكات وعمليات قتل ونهب وتهجير وتدمير للبنية المدنية، الأمر الذي جعل فكرة إعادة دمج هذه الميليشيا في مستقبل الدولة موضع رفض واسع في الوعي الشعبي.
«بنسلين» النظام الدولي… دبلوماسية لإنقاذ المشروع لا لإنهاء الحرب
إذا كان البنسلين في الطب يُستخدم لعلاج المرض، فإن «بنسلين» النظام الدولي – وفق هذه القراءة – هو الحراك الدبلوماسي الذي يظهر كلما أصبحت الميليشيا على أعتاب الهزيمة.
فالهدنة، من هذا المنظور، لا تُقرأ باعتبارها استجابة إنسانية بقدر ما تُفهم باعتبارها محاولة لتجميد نتائج الميدان، ومنح الميليشيا فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، تمهيدًا لإعادتها إلى المشهد السياسي باعتبارها طرفًا لا يمكن تزجيته أو تجاوزه.
إنها دبلوماسية لا تسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما تسعى إلى منع انتصار أحد أطرافها بصورة كاملة.
«المبيد» الوطني… عقيدة الحسم بقيادة الفريق أول شمس الدين كباشي
في المقابل، تبنت القوات المسلحة السودانية رؤية مختلفة تقوم على أن استعادة الدولة لا تتحقق عبر حلول مؤقتة، وإنما بإزالة أسباب الأزمة من جذورها.
وفي قلب هذه الرؤية يبرز الفريق أول شمس الدين كباشي، الذي يقدمه هذا التحليل بوصفه أحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين داخل المؤسسة العسكرية، وأحد مهندسي إدارة الملف التفاوضي للقوات المسلحة السودانية، حيث نجح في المزج بين الصلابة العسكرية والمرونة السياسية، دون التفريط في الثوابت الوطنية.
وتقوم هذه المدرسة على أن التفاوض ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف الدولة، وأن أي عملية سياسية يجب أن تستند إلى تنفيذ الالتزامات السابقة، لا إلى تجاوزها أو الالتفاف عليها.
ومن هنا جاء توصيف «المبيد» باعتباره رمزًا لعقيدة ترى أن الدولة لا تستعيد هيبتها إلا باحتكارها المشروع للسلاح، وإنهاء كل مظاهر التمرد، وتحرير كامل التراب السوداني من أي قوة تعمل خارج مؤسساتها الشرعية.
بين المشروع الإمبريالي والإرادة الوطنية
تكشف تطورات الحرب، وفق هذا التحليل، أن السودان لم يعد ساحة لصراع داخلي فحسب، بل أصبح مسرحًا لتنافس إقليمي ودولي على النفوذ والموارد والموقع الجيوسياسي.
ويرى الكاتب أن بعض القوى الكبرى اعتمدت على حلفاء إقليميين لإدارة هذا الصراع بصورة غير مباشرة، بهدف الحفاظ على نفوذها داخل السودان، وأن تعثر المشروع العسكري دفعها إلى الانتقال نحو الأدوات السياسية والدبلوماسية، بعد أن تراجعت فرص تحقيق أهدافها عبر القوة المسلحة.
غير أن صمود القوات المسلحة السودانية، والتفاف قطاعات واسعة من الشعب حولها، أعادا رسم معادلات الصراع، وأربكا حسابات القوى الساعية إلى فرض تسويات لا تنطلق من الإرادة الوطنية.
الهندسة التفاوضية… بين الواقعية العسكرية والمشروعية القانونية
لم تقع القوات المسلحة السودانية في فخ الرفض المطلق للمبادرات الدولية، كما لم تنجر إلى قبولها دون شروط.
فقد أدارت، بقيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، الملف التفاوضي وفق رؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية العسكرية والمشروعية القانونية، مستندة إلى أن أي اتفاق لا قيمة له ما لم يبدأ بتنفيذ الالتزامات السابقة.
ولهذا تمسكت القوات المسلحة بتنفيذ إعلان جدة، وانسحاب الميليشيا من المدن والأحياء السكنية والمرافق العامة ومنازل المواطنين، ووقف الانتهاكات بحق المدنيين.
وهنا ظهرت المعضلة الكبرى؛ فتنفيذ هذه الشروط يعني، عمليًا، نهاية المشروع العسكري للميليشيا، بينما تعجز القوى الدولية عن إلزامها بذلك، فتتحول الدعوات إلى الهدنة إلى محاولة لإعادة إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.
السودان… من حرب السلطة إلى مشروع التحرر الوطني
لقد تجاوزت هذه الحرب، في نظر الكاتب، كونها صراعًا على السلطة، لتصبح معركة تتعلق باستقلال القرار الوطني، وحماية الدولة، واستعادة السيادة.
ولذلك، فإن الانتصارات العسكرية لم تعد مجرد مكاسب ميدانية، بل أصبحت عوامل تؤسس لمرحلة جديدة يسعى فيها السودان إلى التحرر من الضغوط الخارجية، وامتلاك قراره الوطني بعيدًا عن حسابات المحاور الإقليمية والدولية.
خلاصة:
إن قراءة تطورات الحرب تكشف أن العلاقة بين التقدم العسكري والتحرك الدبلوماسي لم تكن مصادفة، بل أصبحت نمطًا متكررًا يثير كثيرًا من الأسئلة حول أهداف المبادرات الدولية وتوقيتها.
ومن منظور هذا المقال، فإن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ لحظة يتحدد فيها مستقبل الدولة بين مشروع يسعى إلى إعادة تدوير الأزمة تحت عناوين التسوية، ومشروع وطني يقوده الجيش السوداني، مدعومًا بإرادة شعبية، يهدف إلى استعادة الدولة كاملة السيادة.
وفي هذا السياق، يمثل الفريق أول شمس الدين كباشي، وفق رؤية الكاتب، أحد أبرز مهندسي هذه المرحلة، بما يجمعه من خبرة استراتيجية وإدارة تفاوضية، أسهمتا في تعزيز موقف القوات المسلحة سياسيًا وعسكريًا، وإفشال محاولات فرض تسويات تتجاوز ثوابت الدولة السودانية.
ويبقى الرهان الأكبر على أن ينجح السودان، بإرادة شعبه وقواته المسلحة، في تحويل تضحياته إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس السيادة والاستقلال ووحدة القرار، ليكتب صفحة جديدة في تاريخ التحرر الوطني السوداني.




