في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد، تبرز محاولات مستمرة لفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال قراءات انتقائية للمشهد الأمني وحملات تشويش تستهدف بعض الأطراف دون غيرها. ومن بين أكثر الجهات التي تتعرض لهذا الاستهداف القوات المشتركة، عبر حملات تقودها أحيانًا أقلام مأجورة أو أصوات محسوبة على جهات أمنية مختلفة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول وجود جهات تسعى إلى إبقاء المشهد الأمني في حالة من التشوه والاضطراب، بعيدًا عن تنفيذ الترتيبات الأمنية التي نصت عليها اتفاقية سلام جوبا.
ولا يمكن إنكار حقيقة أن الأخطاء الفردية موجودة في جميع المؤسسات الأمنية والعسكرية دون استثناء، سواء في القوات المسلحة أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية أو القوات المساندة. كما أن القوات المشتركة، مثل غيرها من التشكيلات، ليست بمنأى عن وقوع تجاوزات فردية تستوجب المعالجة والمحاسبة. غير أن العدالة والموضوعية تقتضيان عدم تحويل الأخطاء الفردية إلى أداة لاستهداف مؤسسة كاملة أو التشكيك في دورها ومشروعيتها.
إن التركيز المكثف على القوات المشتركة تحديدًا لا يبدو منفصلًا عن حقيقة أنها تمثل أحد أبرز مخرجات اتفاقية سلام جوبا في جانب الترتيبات الأمنية، وأن دورها محدد وواضح في إطار عملية إعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية. ولذلك فإن أي محاولة لإضعافها أو تشويه صورتها قد تُفهم باعتبارها جزءًا من محاولات عرقلة تنفيذ الاتفاق أو الالتفاف على استحقاقاته.
وفي المقابل، تقع على عاتق قيادة القوات المشتركة مسؤولية كبيرة في تعزيز الانضباط والالتزام المهني، وضبط الأفراد ومنع أي مظاهر مسلحة خارج نطاق المهام والعمليات المحددة. كما أن تطوير منظومة القيادة والسيطرة يظل عاملًا أساسيًا في الحفاظ على صورة القوات وتعزيز ثقة المواطنين بها.
ولا يقل الدور الإعلامي أهمية عن الدور الميداني. فالمكتب الإعلامي للقوات المشتركة مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالانتقال من رد الفعل إلى صناعة الرواية وتقديم المعلومات للرأي العام بشفافية واحترافية، خاصة في ظل اتساع تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل المواقف والانطباعات.
ولعل من المفيد التذكير بأن معركة الصورة الذهنية ليست أمرًا جديدًا في السودان. فقبل اندلاع الحرب استعانت قوات الدعم السريع بشركات عالمية متخصصة في الإعلام والعلاقات العامة بهدف تلميع صورتها وتسويق نفسها محليًا وإعلاميًا، وإعادة تقديمها للرأي العام باعتبارها قوة معنية بمكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية الحدود. وقد عكست تلك الخطوة إدراكًا مبكرًا لأهمية الإعلام في صناعة النفوذ والتأثير على الرأي العام.
إن معركة اليوم ليست فقط معركة ميدان وسلاح، بل هي أيضًا معركة وعي وإدراك وصورة ذهنية. ومن هنا فإن نجاح أي مشروع أمني أو عسكري لا يرتبط بقوته على الأرض فحسب، بل بقدرته على كسب ثقة المواطنين وإيصال رسالته بوضوح ومهنية.
وفي نهاية المطاف، يظل الالتزام بتنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية سلام جوبا هو الطريق الأقصر نحو بناء مؤسسة أمنية قومية ومهنية، قادرة على حماية الوطن وتحقيق الاستقرار، بعيدًا عن حملات التشويه والاستقطاب، وبما يخدم أهداف السلام ويضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.
بقلم محمد آدم كش