*جيل الشاشات والأوهام : لماذا يهرب شباب اليوم إلى نفق المخدرات والخمور ؟*

 

يواجه هذا الجيل تحديات نفسية واجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البشرية .

ورغم التطور التكنولوجي الهائل، نرى نسبة مقلقة من شباب هذا الجيل يلجؤون إلى تعاطي المخدرات وشرب الخمور .

هذا الهروب ليس مجرد انحراف سلوكي عابر، بل هو نتيجة تراكمات معقدة وأسباب عميقة أدت إلى شعور عام بالفشل والضياع

أنا جزء من هذا الجيل، وأفهم تماماً معاناتهم والمشاكل التي يواجهونها لذلك

*أكتب هذا المقال : نستعرض أبرز هذه الأسباب وكيف ساهمت في صياغة هذا الواقع المؤلم*

*أولاً* : غياب التربية الدينية الصحيحة والفراغ الروحيإن التمسك بالقيم الروحية والدينية يمثل خط الدفاع الأول لحماية عقل الشاب ونفسيته .

وللأسف، نشأت شريحة واسعة من هذا الجيل في بيئات افتقرت إلى التربية الدينية الصحيحة والمبنية على الاقتناع والوعي، بدلاً من التلقين السطحي. هذا الفراغ الروحي ترك الشباب بلا حصانة أخلاقية أو نفسية أمام مغريات الحياة وضغوطها، وعند أول صدمة أو شعور بالضيق، لم يجدوا ملاذاً إيمانياً يلجؤون إليه، فكان البديل هو الهروب نحو المغيبات لتعويض ذلك الفراغ

*ثانياً* : التسارع التكنولوجي والعيش خلف الشاشات يمتاز العصر الحالي بإنتاج معرفي وتكنولوجي متسارع جداً، لم تستطع المنظومة النفسية والاجتماعية للشباب استيعابه وتوجيهه بشكل صحيح .

لقد تحول العالم إلى شاشات هواتف ذكية صغيرة يختبئ الجميع خلفها .

هذا الإدمان الرقمي جعل الشاب يتابع فيلماً أو مسلسلاً لساعات متواصلة، ليفاجأ بمرور الوقت وفوات مواقيت الصلاة والعبادات دون أن يشعر .

هذا الانفصال عن الواقع والانغماس في العالم الافتراضي يشتت العقل الباطن، مما يؤدي إلى تراجع القدرة على التركيز، واضطرابات النوم، وضبابية التفكير، وهو ما يمهد تدريجياً للفشل الدراسي والجامعي .

*ثالثاً* : صناعة الأحلام المزيفة ومقارنة الواقع بالمشاهير تساهم وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة السينما في تزييف الواقع حيث يُعرض المشاهير كقدوات مثالية يعيشون حياة الرفاهية المطلقة والخلود في المتعة والجمال .

تأثر هذا الجيل بهذه الصور الذهنية، وبنى أحلاماً ورغبات قائمة على الأوهام .

وعندما يصطدم الشاب بالواقع الحقيقي الفعلي بمشاكله وصعوباته المادية والاجتماعية، يجد فجوة هائلة بين ما يراه على الشاشات وما يعيشه، ولأنه لم يتعلم كيف يتحمل نتائج الفشل أو كيف يواجه الصعاب بصبر، ينهار سريعاً ويلجأ للخمور والمخدرات كمحاولة لنسيان هذا العجز .

*رابعاً* : الضغط الأسري وأسلوب “التحطيم” بدلاً من التفهم عندما يلاحظ الآباء تراجع مستوى أبنائهم الدراسي أو عجزهم عن تحقيق النجاح، يلجؤون في كثير من الأحيان إلى توبيخهم بعبارات قاسية مثل “فاشل” أو “غبي”. هذا الأسلوب السلبي لا يعالج المشكلة، بل يرسخ في العقل الباطن للشاب أنه فاشل حقيقي بالفعل .

وبسبب شعور الشباب بأن مجتمعاتهم وعائلاتهم لا تفهم طبيعة الضغوط التي يمرون بها، يتملكهم اليأس، ويصبح تعاطي المخدرات وسيلة للهروب من نظرات اللوم والألقاب المحبطة التي تلاحقهم داخل المنزل .

*خامساً* : جيل ذكي لا يتقبل القصص المزيفة يتميز جيل اليوم بأنه منفتح على المعلومات منذ صغره، وهو يختلف تماماً عن الأجيال السابقة فالشباب اليوم يدركون الحقائق سريعاً ويميزون بين الصدق والكذب عندما تحاول المؤسسات الاجتماعية أو الأسرية توجيههم باستخدام أمثلة وقصص وروايات كاذبة أو مبالغ فيها يأتي الرد بالرفض التام وفقدان الثقة .

إن بناء المجتمع على الكذب ينتج جيلاً مهزوزاً؛ لذلك يحتاج هذا الجيل إلى الصراحة المطلقة والمواجهة بالحقائق دون تجميل أو تزييف

*المخرج والحل* : المسؤولية المجتمعية المشتركة تتطلب حماية هذا الجيل تكاتفاً حقيقياً من المجتمع والأسرة

*ويرتكز الحل على النقاط التالية :*

*الرقابة الواعية* : متابعة الأبناء واحتوائهم دون ممارسة ضغوط خانقة تؤدي بهم إلى العناد .

*الصداقة قبل السلطة* : مصادقة الأبناء وبناء جسور حوار قائمة على الاحترام والتفهم لإحباطاتهم .

*تقديم النماذج الحقيقية* : ضرب أمثلة من الواقع لشخصيات كافحت ونجحت فعلياً، والابتعاد عن القصص الخيالية والمزيفة.المواجهة بالحقائق التحدث مع الشباب بصدق وصراحة كاملة، لأنهم يملكون من الذكاء ما يكفي لمعرفة الحقائق .

*رسالتي الختامية إلى أبناء هذا الجيل العظيم* : عيشوا واقعكم الحقيقي بكل تفاصيله، تحرروا من أسر الهواتف والشاشات التي تسرق أعماركم، وركزوا بكامل طاقتكم على أحلامكم وطموحاتكم الحقيقية .

التزموا التزاماً صادقاً بمسؤولياتكم تجاه أنفسكم وتجاه الخالق، واستمروا في السعي؛ فكل إنجاز عظيم يبدأ بخطوات صغيرة مستمرة، والاستمرارية هي السر وراء تحقيق كل نجاح .

بقلم : مزمل دارمساء ✍️